النويري
26
نهاية الأرب في فنون الأدب
وروى أبو الفرج أيضا عن الصّولىّ عن الحسين بن يحيى قال : قلت لعبد اللَّه ابن العباس : إنه بلغني لك خبر مع الرشيد أوّل ما شهرت بالغناء فحدّثنى به ؛ فقال : نعم ! أوّل صوت صنعته : أتاني يؤامرنى في الصّبو ح ليلا فقلت له غادها فلما دار [ 1 ] لي وضربت عليه بالكنكلة ، عرضته على جارية [ 2 ] لنا يقال لها راحة ، فاستحسنته ، وأخذته عنى . وكانت تختلف إلى إبراهيم الموصلي ، فسمعها يوما تغنيّه وتناغى [ 3 ] به جارية من جواريه ، فآستعادها إياه فأعادته ؛ فقال : لمن هذا الصوت ؟ قالت : صوت قديم . قال : كذبت ، لو كان قديما لعرفته . وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له أنه من صنعتى ، فعجب من ذلك . ثم غناه يوما بحضرة الرشيد ليغرب به على المغنّين ؛ فاستحسنه الرشيد ، فقال له : لمن هذا يا إبراهيم ؟ فأمسك عن الجواب وخشي أن يكذبه فينمى إليه الخبر من غيره ، وخاف من جدّى إن يصدقه ؛ فقال له : مالك لا تجيبني ؟ قال : ما يمكنني يا أمير المؤمنين . فاستراب بالقصّة ، فأقسم الرشيد أنه إن لم يعرّفه عاقبه عقوبة توجعه ، وتوهّم أنه لعليّة بنت المهدىّ أو لبعض حرمه فأستطير غضبا . فلما رأى إبراهيم الجدّ منه صدقه فيما بينه وبينه سرّا . فدعا لوقته بالفضل بن الربيع وقال له : أيصنع ولدك غناء يرويه الناس ولا تعرّفنى ! فجزع وحلف بحياته وبيعته أنه ما عرف ذلك قط ولا سمع به إلا في وقته ذلك . وساق باقي الخبر نحو ما تقدّم . قال عبد اللَّه بن العباس : دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغنّيه وقد استعادنى صوتا فأعدته ، فآستحسنه محمد بن عبد الملك [ وقال : [ 4 ] ] هذا واللَّه
--> [ 1 ] في الأغانى : « تأتى لي » . [ 2 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « على جارة » . [ 3 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « تغانى » . [ 4 ] زيادة نراها لازمة .